السيد الطباطبائي

324

تفسير الميزان

ينقلب على عقبيه ، المراد بقوله لنعلم : اما علم الرسل والأنبياء مثلا ، لان العظماء يتكلمون عنهم وعن اتباعهم ، كقول الأمير ، قتلنا فلانا وسجنا فلانا ، وإنما قتله وسجنه اتباعه لأنفسه ، واما العلم العيني الفعلي منه تعالى الحاصل مع الخلقة والايجاد ، دون العلم قبل الايجاد . والانقلاب على العقبين كناية عن الاعراض ، فان الانسان - وهو منتصب على عقبيه - إذا انقلب من جهة إلى جهة ، انقلب على عقبيه ، فجعل كناية عن الاعراض نظير قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره ) الأنفال - 16 ، وظاهر الآية انه دفع لما يختلج في صدور المؤمنين : من تغيير القبلة ونسخها ، ومن جهة الصلوات التي صلوها إلى القبلة ، ما شأنها ؟ ويظهر من ذلك أن المراد بالقبلة التي كان رسول الله عليها ، هو بيت المقدس دون الكعبة ، فلا دليل على جعل بيت المقدس قبلة مرتين ، وجعل الكعبة قبلة مرتين ، إذ لو كان المراد من القبلة في الآية الكعبة كان لازم ذلك ما ذكر . وبالجملة كان من المترقب ان يختلج في صدور المؤمنين : أولا ، انه لما كان من المقدر ان يستقر القبلة بالآخرة على الكعبة فما هو السبب ، أولا : في جعل بيت المقدس قبلة ؟ فبين سبحانه ان هذه الأحكام والتشريعات ليست إلا لأجل مصالح تعود إلى تربية الناس وتكميلهم ، وتمحيص المؤمنين من غيرهم ، وتمييز المطيعين من العاصين ، والمنقادين من المتمردين ، والسبب الداعي إلى جعل القبلة السابقة في حقكم أيضا هذا السبب بعينه ، فالمراد بقوله الا لنعلم من يتبع الرسول ، الا لنميز من يتبعك ، والعدول من لفظ الخطاب إلى الغيبة لدخالة صفة الرسالة في هذا التميز ، والمراد بجعل القبلة السابقة : جعلها في حق المسلمين ، وان كان المراد أصل جعل بيت المقدس قبلة فالمراد مطلق الرسول ، والكلام على رسله من غير التفات ، غير أنه بعيد من الكلام بعض البعد . وثانيا : ان الصلوات التي كان المسلمون صلوها إلى بيت المقدس كيف حالها ، وقد صليت إلى غير القبلة ؟ والجواب : ان القبلة قبله ما لم تنسخ ، وان الله سبحانه إذا